Research‎ > ‎

Modernism & Claims of Continuity & Discontinuity in Arabic Literature

الحداثة ودعاوى الإستمرارية والإنقطاع فى الأدب الغربى

 

سأبدأ الموضوع ببعض التعريفات الخاصة بالحداثة لنعرف ما هى الحداثة أولاً، ومتى نشأت، وما هى أهم صفاتها. ثم سأعطى نبذة تاريخية عن كيفية وسبب نشأتها ومن هم روادها. وأتعرض بعد ذلك للمظاهر الأولى أو مؤشرات الحداثة. والتطور الذى حدث ونماذج من بعض الأعمال المرتبطة بالحداثة فملخصا عن الموضوع إذا سمح الوقت.

 

قبل أن أبدأ بالتعريفات أود أن أقول أن هذا البحث مبنى أساساً على آراء كثير من النقاد الغربيين واثنين من العرب،كتاب د. عبد العزيز حمودة المرايا المحدبة وكتاب د. محمد عنانى المصطلحات الأدبية الحديثة أما الرؤية فهى رؤيتى الشخصية.

 

بالنسبة للتعريفات وجدت أكثر من ثلاثمائة تعريف، البعض يختلف اختلافاً بيناً فى النظرة إلى الحداثة، ولكن هناك شبه اتفاق على أن الحداثة هى نبذ التقاليد القديمة وتقديم كل ماهو جديد بالنسبة للغة والفن والأدب والنقد والفلسفة، حتى ولو كان هذا الجديد غريباً. ومن أهم عناصر الحداثة رفض الواقعية، وتعدد وجهات النظر إلى الأشياء والقضايا والأعمال الفنية والأدبية، والأخذ بمبدأ النسبية. كما أنه من الصعب الفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة، أو الحداثة والحركة الطليعية. فمثلاً بعض النقاد يعتبرون تعبير الطليعة avant garde أو الطليعية avant gardism من عناصر الحداثة، وبعضهم يطلقه على ما بعد الحداثة، والبعض يساوى بين الطليعية والحداثة.

 

التعريفات Definitions :

يعرف قاموس المصطلحات الأدبية  Dictionary of Literary Terms   لكادون J. A. Cuddon  الحداثة بأنها عنصر التمرد والابتكار فى الأعمال الجديدة التى تحاول الانفصال عن التقاليد.

 

أما كتاب مصطلحات أدبية Literary Terms  لكارل بكسون و آرثر جانز    Karl Beckson & Arthur Ganz  يعرف مصطلح الحداثة بأنه يشير إلى الأدب والثقافة العامة فى النصف الأول من القرن العشرين. ويضيف بأن الحداثة تتميز بالأساليب التجريبية كما فى أعمال جيمس جويس وت. إس. إليوت، وباستخدام الأسطورة لإعطاء بعد وعمق للعمل الأدبى أو الفنى. كما أن بعض الأعمال التى تتميز بالحداثة تشير إلى فكرة الوجودية existentialism أو إلى رؤية العالم بلا معنى   Absurd . ويقول الكاتبان أنه من الصعب تحديد بداية ونهاية فترة الحداثة فالبعض يعتقدون أنها بدأت عام 1910 واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ مايسمى بما بعد الحداثة. أما الرأى الآخر فيرى أنها بدأت منذ عام 1870 وما زالت مستمرة حتى الآن. ويشير الكتاب إلى أن بعض النقاد لا يؤمن بالحداثة مطلقا ويعتقد أن ما يحدث حاليا هو تطور طبيعى للتقاليد الماضية.

 

تعريف آخر:

·       مصطلح الحداثة يشير إلى كل الحركات الفنية والثقافية والسياسية المتنوعة المرتبطة بالتغيرات التى طرأت على المجتمع الغربى فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. 

 

·       الحداثة هى اتجاه ظهر فى منتصف القرن التاسع عشر، خاصة فى باريس، وارتبط بأن الأشكال التقليدية للفن والأدب والمؤسسات الإجتماعية وحتى فى الحياة اليومية قد أصبحت أشكالاً بالية ولابد من أن تنحى جانبا.

 

·       الحداثة ظهرت كرد فغل طبيعى ضد مثالية العصر الفكتورى، المثالية التى لم يعد لها وجود فى أوائل القرن العشرين, الملئ بالمعاناة والعنف والصخب.

 

·       ينطبق مصطلح الحداثة على المجالات الواسعة للإتجاهات التجريبية والطليعية فى الفنون التى ظهرت فى منتصف القرن التاسع عشر عندما تمرد الفنانون على التأريخية التقليدية ثم امتد هذا التمرد إلى القرن العشرين كضرورة للفرد لنبذ التقاليد السابقة وابتداع أساليب فردية مبتكرة.

 

·       الحداثة بالنسبة لى هى عدم الرغبة فى تلوين الصورة داخل الخطوط الموضوعة، فالحداثيون مستفزون، يتعدون الحدود، متعمدين ذلك حتى يلفتوا نظرك، ويجعلونك تلاحظ أشياءً ربما لا تسترعى انتباهك.

 

·       الحداثة فى الأدب والفن تم توظيفها لتقديم ثقافة متميزة تستبعد معظم السكان. (هذا يشير إلى أن الحداثة تخاطب نخبة معينة من المثقفين)

 

هذه بعض تعريفات الحداثة التى رغم اختلافها نستطيع أن نجملها فى أن الحداثة تبتعد عن التقاليد الماضية وتقدم الجديد والمبتكر، ولاترضى بالواقعية أو المثالية، بل تؤمن بحرية التعبير، وتخاطب النخبة من المثقفين.

 

رؤيتى- وأعتقد أنها رؤية الكثيرين- أن الحركات الأدبية والفنية أو النقدية تجئ عادة نتيجة أو رد فعل لحركات أو ظواهر سابقة، ولذلك لا نستطيع أن نؤكد انقطاع أو نهاية حركة معينة نهاية مطلقة لأنها غالباَ ما تتطور إلى شئ آخر أو توحى بفكر آخر. بل ربما نستطيع أن نعرف بدايتها أو الإرهاصات التى تسبق نشأتها وتبشر بقدومها. فقبل نشأة الحداثة مثلاً، كان القرن الثامن عشر فى أوربا عامة وفى بريطانيا بشكل خاص يسمى عصر العقل والحكمة        Age of Reasonوالرؤية الموضوعية المبنية على العقلانية، فلم يسمح بالذاتية أو التعبير عن العواطف فى شعرهم وأعمالهم الأدبية. وكان نتيجة لذلك أن جاءت الحركة الرومانسية فى النصف الأول من القرن التاسع عشر(بعد فترة انتقالية) لتعبر عن الذات وتسمح بالمشاعر ووجهات النظر الشخصية بحرية وصراحة شبه مطلقة.  وخمدت هذه الجذوة قبل منتصف القرن التاسع عشر ليجئ العصر الفيكتورى فى بريطانيا ويشيد بالواقعية. بلزاك Honore de Balzac (1799-1850) وإميل زولا  فى فرنسا. وفى الحقيقة شهد النصف الثانى من القرن التاسع عشر كثيراً من المؤثرات الفكرية والثقافية والسياسية والعلمية، مما كان له أثره على التيارات الفكرية. ورغم أنها أثرت الحياة الثقافية إلا أنها كان لها سلبياتها. فكانت هناك نظريات فرويد عن علم النفس ، ونظريات اينشتين عن النسبية Relativity  (1915-1971) ، وظهر كتاب ماركس عن الماركسية، وكتاب داروين عن أصل الإنسان. نتيجة لهذا الكم الهائل من الفكر والمعرفة والجدية والواقعية ظهرت حركات مناهضة للواقعية مثل الرمزية، الدادية، السريالية والتعبيرية. واعتبر النقاد هذه الحركات التى ظهرت فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حركات حداثية أو من حركات الحداثة، واعتبرها آخرون ارهاصات للحداثة التى نشأت بعد ذلك.

من تلك الحركات أو مظاهر الحداثة الرمزية Symbolism ، ورغم أن اصول الرمزية تمتد إلى الماضى البعيد وإلى الأساطير اليونانية إلا أنه قد أعيد استخدامها فى أواخر القرن التاسع عشر بشكل تجريبى مختلف فاستخدمها بودليرBaudelaire  ورامبو Rimbaud ومالارميه Mallarme فى أشعارهم ثم ييتسYeats  وإليوتEliot  وغيرهم.

 التعبيريةExpressionism   التى بدأت فى ألمانيا 1905، عندما أراد بعض الرسامون تفادى الواقع الخارجى فأخذوا يرسمون رؤية ذاتية للعالم. وانتقل ذلك إلى بعض الأعمال الأدبية، فاستخدم الأدباء صوراً بلاغية خاصة بهم وأشكالا غير نمطية. وكان المسرح التعبيرى نتيجة أو رد فعل للواقعية المفرطة. كما أن الفنانين التعبيريين، تأثراً بنظريات فرويد، حاولوا التعبير عن سيكولوجية الفرد.

المستقبلية  Futurism 1905 وهى حركة أدبية فى أوربا كانت تنادى بالبعد التام عن التقاليد وكانت تهدف إلى انتاج أشكال أدبية وفنية جديدة وموضوعات وأساليب مبتكرة تتمشى مع عصر الميكنة. وقد أنشأها الإيطالى فيليبو مارينيتى عام 1905، ونشر مانيفستو الحركة فى جريدة الفيجارو عام 1909. وسرعان ما اتجهت إلى الفاشية، وربما كان لها تأثير على الدادية والتعبيرية والسريالية.

ظهرت أيضاً الدادية  Fr. Dada: hobby horse    Dadaism  

ويعنى المصطلح الحرية الكاملة التى لا تأبه بالقوانين أو بالتقاليد، وأهم مفرداتهم "لاشئ" أو العدم وهى حركة عدمية فى الفن والأدب، بدأت فى زيوريخ عام 1916،. انتقلت لفرنسا بعد ذلك، ثم إلى بريطانيا وأمريكا، وأثرت فى أشعار إليوت وباوند. ثم تحولت الحركة بعد ذلك إلى السريالية.

السيريالية: بدأت فى فرنسا عام 1920. والسيريالى يعتمد فى تعبيره على اللاشعور، ولذلك فهو لا يتبع المنطق.

 الشكلية الروسية Russian Formalism

ظهر الشكليون الروس فى روسيا قبل الثورة البولشوفية Bolshevik Revolution وازدهروا خلال العشينيات رافضين لمبادئ الرمزية ولافتين الأمظار للحقيقة المادية للنص الأدبى نفسه. فالعمل الأدبى بالنسبة لهم ليس وسيلة لنقل الأفكار وليس مرآة للمجتمع أو تجسيد للحقيقة بل هو عمل مادى ملموس قائم بذاته يمكن تحليله كما يحلل الإنسان الآلة. وكان أساسا تطبيقا للغويات على دراسة الأدب، ولكنهم أهملوا المحتوى لدراسة الشكل. (من الخارج)

وقد أثرت الشكلية الروسية على النقد الجديد الأمريكى The American New Criticism

أدت الدادية والسيريالية إلى نشأة مسرح العبث.Absurd Theatre

 

ولقد كان لوجودية سارتر، الفيلسوف والكاتب الفرنسى الشهير، أكبر الأثر على حركات الحداثة. ففى كتابه الوجود والعدم 1943 طرح كثير من آرائه الوجودية، وأسس مجلة سياسية يبث فيها أفكاره عن مذهبه الجديد. ثم ألف كتاب الأزمنة الحديثة  Les Temps Modernes  تتضمن أفكاره، التى أوردها أيضا فى رواياته ومسرحياتهRoads to Freedom (1944-45) . ثم حاول أن يدمج الوجودية والماركسية معاً فى كتاب نشره عام 1960  Critique of Dialectical Reason. فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية ارتبطت المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازى بالماركسية- ليس بسبب هذا الفكر ولكن لأن كلا من فرنسا والإتحاد السوفييتى فى ذلك الوقت كانتا فى مواجهة واحدة لمقاومة الهجمة النازية. وعندما انتهى الإحتلال النازى ظهرت الاختلافات، مثل الشك فى مثالية الماركسية بعد تطبيقها فى الإتحاد السوفييتى، كما ازدهرت وجودية سارتر فى الخمسينيات والستينيات باعتبارها تأكيداً لحرية الفرد وإعادة تأكيد للذات، ثم أصبحت وجودية سارتر محلاً للشك. وهكذا وجد مذهب البنيوية المناخ الثقافى ملائما لملء الفراغ، خاصة أن كتاب سارتر النقدى ما هو الأدب 1947 يرحب ويدعو القارئ بالمشاركة فى إنتاج النص الأدبى ، مما تعتبر بمهيداً مبكراً لنظريات الإستقبال أو التلقى التى تركز على حرية القارئ فى تحديد معنى النص. ويرى بارت أن البنيويين قد حلوا محل الوجوديين الذين سيطروا على الحياة الفكرية فى فرنسا فى فترة الخمسينيات والستينيات.

الظاهراتية Phenomenology   

طور أتباع الفلسفة الظاهراتية، والتى ظهرت قبل وجودية سارتر، خاصة أعضاء مدرسة جنيف النقدية، نظرية أدبية تقول أن الأدب شكل من أشكال الوعى أو الإدراك (تأثرا بنظريات علم النفس عند فرويد ويونج)، أما النقد فهو عملية شفافية متبادلة بين وعيين: وعى المؤلف المبدع ووعى الناقد الذى يجب أن يخلى ذهنه تماما من صفاته الشخصية حتى يتحقق الالتقاء التام مع وعى أو إدراك المؤلف. وهذا مما أدى فى النهاية إلى تطوير (نظرية) التلقىReception theory  إلى النظرية الخاصة باستجابة  القارئreader-response theory. فهم يرفضون النظر إلى النص الأدبى باعتباره شيئا مثاليا صرفاً أو كيانا ماديا خالصا، ويقترحون بديلاً ينظر إلى العمل الأدبى باعتباره شيئا أو موضوعاً مقصوداً، أى يدرك فى وعى، ويتكون داخل الوعى أثناء عملية القراءة. وهكذا يفتح الظاهراتيون الباب أمام تعدد القراءات ولانهائية الدلالة عند أصحاب يظرية التلقى بعد ذلك، وهذا هو المدخل الرئيسى للتفكيك.  إن كل من التلقى والتفكيك يلتقيان فى أهم مبادئهما وهو الغاء النص وقصدية المؤلف the author’s intention.

البنيوية : هناك من يرى أن البنيوية هى بداية الحداثة وهناك من يرى أنها نهايتها.

بدأت البنيوية Structuralism فى أوائل الستينيات وكانت تحث على استخدام منهجية علمية محددة تمكن الناقد من التعامل مع النص الأدبى باعتباره عملاً مستقلاً يستطيع تحليله فى حد ذاته ومن داخله.

تتحدى البنيويةStructuralism  بعض المفاهيم التقليدية التى تبناها النقد لفترة طويلة مثل القول بأن النص هو ابن المؤلف وأنه يعبر عن ذاته. فالبنيويون يصلون فى رفضهم لذات المؤلف إلى القول بأن المؤلف قد مات، وهذا ما يؤكده الناقد الفرنسى رولان بارت Roland Barthes (1915-1980) الذى يعتبر أبرز أقطاب البنيوية والتفكيك فى آن واحد. فالمؤلف من وجهة نظره يملك موهبة مزج أو خلط كتابات موجودة بالفعل، وهو لا يستخدم الكتابة للتعبير عن ذاته، بل للإستفادة من قاموس اللغة الذى تمت كتابته ومن مفردات الثقافة القاثمة. فالبنيوية كمشروع نقدى وجدت فى الدراسات اللغوية ضالتها وهى تحقيق علمية النقد الأدبى. وقد اعتمدوا على المنهج العلمى التجريبى الذى تبنوه بع فترة الشك فى الوجودية. وقد ارتبطت البنيوية الأدبية فى نشأتها بالبنيوية اللغوية التى أسسها فردينان دى سوسيرSaussure .

 يقول د. عبد العزيز حمودة "كان الهدف من البداية هو إنارة النص وهذا لم يتحقق، لأن البنيويين انشغلوا بآلية الدلالة ونسوا ماهية الدلالة".

من أنصار البنيوية جيرار جينيت Gerard Genette ورومان جاكوبسونRoman             فى فترة الستينيات فى فرنسا، ثم انتقلت البنيوية إلى النقد الأمريكى ثم تحولت إلى ما يسمى بحركة ما بعد البنيوية Post-structuralism

.

التفكيك Deconstruction:

التفكيك أو التفكيكية من أهم مذاهب ما بعد البنيوية، إن لم تكن مرادفاً كاملاً لما بعد البنيوية. أرساها دريدا ومن أهم عناصرها: اعتبار كل قراءة للنص بمثابة تفسير جديد له، واستحالة الوصول إلى معنى نهائى وكامل لأى نص. وأحد الأفكار التى نشأت عن مذهب التفكيكية وطرحها كل من بارت وفوكوه- الأول فى مقاله "موت المؤلف" فى كتاب الصورة- الموسيقى- النص (1977)Image- Music- Text ، والثانى فى مقاله "من هو المؤلف؟" فى كتاب اللغة والذاكرة المضادة والممارسة: مقالات ومقابلات مختارة (1977) Language, Counter-memory, Practice: Selected Essays and Interviews

إن التفكيك فى جوهره يقوم على رفض التقاليد والسلف التى يرى أنها تحجب المعنى وتكبته. وقد بدأ فى فرنسا على يد رولان بارت الذى يرتبط بالمشروع التفكيكى أكثر من ارتباطه بالمشروع البنيوى. ولأن البفكيك ينادى بالتعدد اللانهائى لتفسير النص فقد استبعد من فرنسا وهاجر التفكيكيون وعلى رأسهم جاك دريدا إلى مناخ مختلف يقوم على التعددية الثقافية ويرحب بها، وهو المناخ الثقافى الأمريكى. فقد لاقت محاضرة دريدا فى جامعة جونز هوبكنز عام 1966 كل الترحيب ورحبت جامعات أمريكا بالتفكيك وأفرزت مدرستها التفكيكية التى تعتبر امتداداً للمدرسة الفرنسية وتطوراً لها.

تأسست استراتيجية التفكيك على رفض علمية النقد، والشك فى كل الأنظمة والقوانين والتقاليد، والتحول إلى لانهائية المعنى. وتمردوا على نهائية النص أو اغلاقه، واستبدلوا بعلمية النقد أدبية اللغة النقدية، وانتهوا إلى حجب النص. ويقول أحد النقاد أن عملية التأليف الأدبية لايمكن ردها ببساطة إلى جهد فردى مهما بلغ ميلنا إلى التبسيط. فإلى جانب الفرد يوجد المؤلفون السابقون والنقاد والأصدقاء والرقباء والمحررون فى دور النشر وماإلى ذلك.

إذا كان النقد البنيوى يحجب النص عن المتلقى أو القارئ ويدخله فى متاهات وطلاسم النقد الذى يلفت النظر إلى نفسه أولاً (الميتانقد) Metacriticism، فإن التفكيك يضيع النص تماماُِ. فجوهر التفكيك هو غياب المركز الثابت للنص ( حمودة 55)0 وفى كلتا الحالتين يختفى النص، يختفى عند البنيويين وراء لغة نقدية تلفت النظر إلى نفسها بصفتها إبداعاً جديداً، ويختفى عند التفكيكيين الذين لا يعترفون بوجود النص اصلاً.

 إن المدرستين تلتقيان حول موت المؤلف واختفاء النص. المدرسة الأولى تدعو لإنشاء نقد جديد يصبح أكثر جذباً من النص المبدع ذاته، والثانية تلغى النص وتقتل المؤلف وتواريه التراب (59). ومذهب التفكيك يربط بين الحداثة وما بعد الحداثة، ولذا فمن الصعب الفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة، كما أننا لا نستطيع أن نجزم بأن الحداثة قد انتهت بظهور ما بعد الحداثة.

يعيب د. عبد العزيز حمودة وقفة الحداثيين العرب الذين نقلوا النتائج الأخيرة للفكر الغربى الذى جاء نتاج ثقافة غربية. فالنسخة العربية نقلت النتائج الأخيرة للفكر الغربى. فالحداثة مطلوبة ولكن "يجب أن تكون حاثتنا نحن، وليست نسخة شائهة من الحداثة الغربية"، كما يؤكد د. عبد العزيز حمودة فى كتاب المرايا المحدبة.

 

التناص: Intertextuality

فى النهاية أعيد القول بأن هذة الحركات أو المظاهر المختلفة للحداثة لم تأت من فراغ ولكنها كانت نتاج ثقافة ومناخ غربى وتدعو أساساً إلى التطور وعدم الجمود والإبداع والتعبير عن الذات والاختلاف والاهتمام باللغة والفن وتطبيق الآراء الفلسفية وعلم النفس على الأدب من منظور غربى. 

Comments